أبي منصور الماتريدي

556

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جميع الخلق ؛ [ فأخبر أنه ] « 1 » أنزل من السماء اللّباس والرياش [ لكل شيء ] « 2 » ، وأخبر أنه خلقنا من تراب ، ثم أخبر أنه خلقنا جميعا من نفس واحدة ؛ على رجوع كل ما ذكر باختلاف الأسباب والتوالد إليه ، والله أعلم . وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب : جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبينا من ذلك ، وإلا على اختلاف الدرجات في حد « 3 » البيان مع ما قد جعله الله كذلك ، حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي . وما على ذلك مدار ما عليه من هذا المحسوس ؛ فمثله أمر القرآن ، والله الموفق . والثالث : أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة ، وعلى الكشف ثانيا ؛ فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور المختلفة « 4 » : منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال على لسان ملك ، أو رؤيا ، أو إلهام . والتأمل في ذلك ، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك وعصمته عن الزيغ . أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور ، أو غير ذلك مما يريد الله أن يطلع عليه نبيّه ؛ فإن لطف ربّ العالمين بما عامل به الأخيار يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام ، نحو كتابة الحفظة ، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض ، ونحو ذلك ، وذلك كله حدّ اللّطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة ؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل الرجوع بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها ، كقوله - تعالى - : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] ، وغيره ، ولا قوة إلا بالله . والأصل عندنا : أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد ، على ما ذكره قوم : أنه على خمسة أوجه ؛ إنما هو أمران : أحدهما : ما يبين هو . والثاني : ما يبين غيره ، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان أصله

--> ( 1 ) في أ : فإنه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : هذا . ( 4 ) في ب : مختلفة .